الجمعة، 8 فبراير، 2013

البنات اللي برة الخريطة


انت فاكر إن عمرك ما شوفتها، هي فعلا مش بتتشاف كتير، لأنها بينها وبين نفسها بتتمنى تختفي من على الأرض، أو على الأقل تبقى  invisible.. هي مش جبانة على فكرة، ولا بتخاف مواجهة الناس.. هي بس ملّت الناس.. فأخدت خطوة لورا.. وبتتفرج.

انت أكيد شوفتها، في حفلة، في مكان شغل، في أي مكان هتروحه هتلاقيها، بس انت عارف بينك وبين نفسك أنها عمرها ما لفتت نظرك، يمكن تاخد بالك من صاحبتها، وتبصلها وتركز معاها وجايز كمان تروح تتعرف عليها، وتبقى الحاجة اللي بتدور عليها بينك وبينها خطوة، ومبتشوفهاش.. يمكن لأنك معمي، ويمكن لأنها فاهمة إنك معمي مبتحاولش تشاورلك عشان عارفة إنك مش هتشوف.

هي مش وحشة، ومش حلوة، هي بس عارفة إنها جميلة عشان هيّ هيّ، لا بتحاول تقلد ولا بتمشي تبع الموضة، لبسها شبهها، مش لازم يكون ضيّق ومحزق، ولا هو واسع وفضفاض، لبسها شبهها، بيناسبها، ولو أي بنت تانية لبسته مش هيبقى حلو عليها، يمكن عشان هي بتعمله بإيديها؟ ويمكن عشان بتلبسه حسب مزاجها.. هي نفسها متعرفش بتعمل ستايل لبسها إزاي.

أقولك على سر؟ هي وحيدة جدا، بس عمرها ما بتبين ده، ببساطة لان محدش مهتم، لأنها بتهتم بأصحابها، وبعيلتها، وبشغلها، هي دورها إنها تهتم، ولما بتحاول تخرج من دايرة الشخص اللي بيهتم للشخص محل الاهتمام، بتفشل، الناس بتفتكر تاخد بس مبتفتكرش تدي.

لما بتبقى حاسة بالوحدة، بتحط الهاند فري في ودنها وتمشي.. وتمشي تمشي تمشي متعرفش رجليها هتوديها فين، الزمالك، المهندسين، النيل، العجوزة، الدقي، الحسين، الهرم، أي مكان وأي حتة، وتفضل تركب وتنزل مواصلات لحد ما رجليها توجعها، فتروّح. هي مش متوحدة، هي بس وحيدة، يمكن نفسها حد يتمشى معاها على النيل، يمكن بتحاول تعزل نفسها عن الدوشة عشان تسمع نفسها كويس، وأول ما بتسمع نفسها كويس بتندمج في الدوشة.

هي برضو ساعات بتفكر إنها بتهرب من نفسها، أصل الموضوع مش سهل، هي مش عارفة تتأقلم، زي الشخص اللي دخل مكان كله هنود وهو مش هندي، وحاول يتعلم منهم مرة واتنين.. عرف شوية عن لغتهم، فهم، فهمهم جدا، لدرجة إنه زهد في أي فهم تاني.. فأخد خطوة لورا.. وقرر يتفرج على الفيلم الهندي الكبير.

هي بقى مش من الناس اللي هتخطفك، لأنها مش بتتسهوك "ولو إنها بتعرف، بس مبتحبش"، ولا بتحب تعمل حركات البنات من الكهن والمياعة – اللي انت كـ راجل عارف إنها بتاكل معاك جدا مهما حاولت تنكر – إحنا متفقين نتكلم بصراحة، والصراحة بتقول إن البنت اللي برة الخريطة، عمرها ما كانت فتاة أحلامك.. هي أصلا متعرفش تبقى فتاة أحلام، لا هتلبس فستان بمبي ولا هتديلك الكانز تفتحهولها، ولا هتقولك أنا متقدملي عريس.. الحياة بالنسبة لها أعمق وأبسط من كده، وهي شايفة نفسها أغلى من كل الرخص ده، فمبياكلش معاها.

انت عارف، انك ممكن تكون عاجبها جدا، لأ انت متأكد مش عارف بس، بس عارف برضو إنها مش هتاخد أي خطوة، لأنها بتخاف تتجرح، آه تخيل.. انت بينك وبين نفسك عارف إنها رقيقة.. وهشّة، هشّة جدا.. على عكس ما بتبيّن في الغالب، لكن انت برضو مش فاهم، أو بتستهبل، أو هتعرف الحقيقة بس كمان 10 سنين مثلا لما شعرك الأبيض يبدأ يطلع، وتبدأ تعرف يعني إيه حد يفهمك بجد، ساعتها يمكن تفتكرها، وتسأل نفسك.. أنا ليه مديتهاش فرصة؟ أنا إزاي مخدتش بالي؟!

على فكرة إنت مش غلطان 100%، هو أصلا محدش عنده وقت يسمعها، وهي كل ما بتحاول تلاقي وقت تسمع نفسها بتهرب منه.. هي أكتر حد بتهرب منه لأن المواجهة مع نفسها بتوجعها جدا، لأنها عارفة الحقيقة جدا جدا، حقيقة إنها حتى مبتحبش تكتب كلام زي ده، يمكن بس بتحب لمسة صوابعها للكيبورد وحركة إيديها وهي بتكتب.. يمكن وحشتها الكتابة، يمكن بقت بتخاف تكتب، ويمكن بتحاول تخذل الكل باللي بتكتبه، انت عارف.. هي محتاجة حد يسمعها، محتاجة حد يسمعها بس، تعيطله، تصرخ، تحكيله، تتكلم عن نفسها بدون مقاطعة، مش دكتور.. ولا صديق، محتاجة حد هينسى الكلام  اللي سمعه أول ما تخلص، لأنها هترجع لعقلها اللي هيندمها على إنها حكت، محتاجة حد تشخبط عليه وتقطع الورقة وترميها، وتعرف تشوفه من أول وجديد، ويشوفها وهي زي ما هي.. متماسكة وقوية وصلبة.

أهو موضوع القوة ده لوحدة مشكلة، كونك معتاد على إن الناس بتتوقع منك شيء معين بيخليك تعمله بس عشان ترضيهم وتخلص من الزن، انا أنا قوي,, ها ؟ خلاص؟ ارتحتوا؟ بس أنا بوريكم بس اللي انتوا عايزين تشوفوه.. عمركم فكرتوا في اللي مش عايزين تشوفوه؟ عمرك فكرت في الحاجات اللي مبتشوفهاش؟ إحنا دايما بنهتم بالحاجات اللي بنشوفها، مع إن اللي مش بنشوفه في الغالب بيبقى أهم.. ويمكن عشان عارفين إنه مهم بنخاف نواجهه، فبنهتم بس باللي نقدر نشوفه، واللي عينينا تقدر تحصره.

إحساس إنك محاصر في فكرة ده شيء سخيف، بس الأسخف إنك تبقى مش عارف انت فين، وهي عشان برة الخريطة مش عارفة هي فين، في أنهي بلد؟ مع أنهي ناس؟ طب تروح فين عشان تلاقي ناس بس تحس معاهم بالونس؟ هي ممكن تروح أي مكان.. أي مكان فعليا، مبتخافش من الأماكن الجديدة، مبتخافش من الناس الجديدة.. بس متضمنش المكان اللي هتروحه هتلاقي فيه نفسها ولا لأ.
"لأ" هي الكلمة اللي اتعلمتها جدا، ومن كتر ما اتعلمتها بتخسر، بتخسر حاجات كتير في العادي ممكن تقولها آه، لكن هي بتقول لأ.. متعرفش ليه.. ساعات بيكون عندها سبب واضح وصريح وقاطع، وساعات بيبقى الرفض مجرد زهق من القبول، هي بتقول لأ بشجاعة، وبتخسر برضو بشجاعة، وبتبكي بشجاعة..

كونك شجاع، وبتتصرف على الأساس ده، فالناس بـ تتايتلك، بتعنونك يعني، الشجاع، نموت إحنا في العنوان "الكداب"، "الخاين"، "الجبان".. إلزق أي عنوان لأي حد، حطه في البرواز وأحصره في صفة، بنمارس أفعال الآلهة على الضيق ونحكم على البشر، ده بيعجبنا وده لأ، حتى هي وهي بتكتب الكلام ده بتبروز الناس اللي بيعملوا كده بصفة "الأغبياء" "المتملكين"، يمكن انتوا ساعات بتراجعوا نفسكوا في العناوين اللي بتقولوها على بعض، هي كمان بتحاول تقلب البرواز وتخرج الصورة منه، بتحاول تشوف حاجة تانية في أي حد.

لو وصلت للسطر ده.. تهنئة، انت قدرت تستحمل، ووصلت لمرحلة اللي مش فاهم حاجة، أو اللي خرج برة دايرة هو متعود عليها.. أعتقد دي بداية إنك تبدأ – على الأقل – تقدر إحساسها الدائم بالغربة.


هناك 8 تعليقات:

  1. فاهم الشعور ده لأن نص الكلام ع الأقل خواطر بتدور في ذهني، عنّي.. :)

    شكراً يا بسمة، عمل جيد وكلمات صادقة :)

    ردحذف
  2. احيكي على حسك وجرائتك، الموضوع حلو وجديد وانساني

    ردحذف
  3. روعة ! ... عارفاها طبعا .. عارفاها كتير

    ردحذف
  4. مؤلم بشكل عجيب ، أحيك ِعلى جرأتك فى النوت دا

    ردحذف
  5. كانت نفسها تكون م اللي جوا الخريطة

    ردحذف